
الأب العظيم ومملكته المجيدة
في البدء، قبل أن يوجد الزمن، لم يكن الكون فارغًا. في البدء كان الأب والملك القدوس. كان يمتلك الكرامة المطلقة التي لا تُنازَع، والطهارة الكاملة، والمحبة العظيمة. بكلمته القديرة أقام البيت العظيم - السماء والأرض - وأسس فيه مملكته الآمنة.

من هذا الأب العظيم ينبع كل أبوة حقيقية على الأرض. خلق الله الإنسان - ذكرًا وأنثى - وأتم معروفًا عظيمًا: لقد نقشهم في نسبه وسمح لهم بحمل اسمه. لم يكونوا عبيدًا أو أجيرًا، بل كانوا أولادًا شرعيين وورثة للبيت العظيم.

ألبسهم الأب ثياب الكرامة الملكية، وأدخلهم تحت ظله، ومنحهم الحق في الجلوس على مائدته. لم يكن في حضوره خوف ولا مرض ولا عار ولا موت. كان ظل الأب القدوس يضمن لهم حماية مطلقة: لم يجرؤ أحد في الكون أن يرفع يده على من يحمل الاسم العظيم للأب. عرف الناس من هم، ولأي بيت ينتمون، وما هي القوة التي لا تُقهر التي تقف خلف ظهورهم. في بيت الأب، المائدة دائمًا موضوعة لكل من يحمل اسمه.


الخيانة العظيمة والنفي من البيت
لكن في المملكة ظهر عدو - روح متمردة قوية. حسد كرامة الأبناء وتسلل إليهم بالكذب، مشوهًا اسم الأب: "لستم بحاجة إلى ظله وقوانينه. يمكنكم أن تصيروا مثل الآلهة - خذوا الميراث، واخرجوا من تحت يده، وقرروا بأنفسكم ما هو الخير والشر".

وارتكب الناس جريمة مروعة. لم تكن خطأ، بل كانت خيانة متعمدة لحاميهم وغدرًا بأبيهم. نقضوا العهد، وصدقوا العدو، وأداروا ظهورهم لله، غطوا أنفسهم بعار عظيم لا يُمحى.

وبما أن الله ملك قدوس، فإن عدله لا يتسامح مع التمرد والنجاسة. نقض ميثاق الولاء. فقد الناس حقهم في أن يُدعوا أبناء البيت، ووجدوا أنفسهم بلا حامٍ في الظلام - في البرية المعادية القاحلة. في تلك اللحظة، تحولت ثياب كرامتهم إلى خِرَق عار. لم تُبعدهم الخطية عن الأب فحسب، بل نجست طبيعتهم وأفسدتها. من ورثة أحياء، تحولوا إلى منفيين وأموات روحانيين.

في تلك الأيام القديمة، نزل حراس من السماء - أرواح عظيمة القوة وُضعت لتراقب الأرض. لكنهم هم أيضًا استسلموا لتجربة العدو، وتركوا مركزهم، واتخذوا بنات البشر زوجات، وعلموا البشر السحر والكهانة وعبادة الكواكب، وأنجبوا جنس العمالقة. ورغم أن الحراس أُمسك بهم لاحقًا وسُجنوا إلى يوم الدين العظيم، إلا أن ذكراهم بقيت في أساطير الشعوب. أصبح هؤلاء الحراس الساقطون آلهة زائفة للقبائل - بعل، عشتار، داجون، مردوخ، وألف اسم آخر قدم لها الوثنيون الذبائح، حتى البشرية. هكذا وُلدت كل الأديان الوثنية في البرية، حيث وضع العدو "آلهته" الخاصة فوق الناس ليخدموه هم بدلاً من الأب الحقيقي.

في البرية، استعبد الناس العدو. وإذ فقدوا أباهم الواحد وحمايته، توحشوا. بدأوا يبنون بيوتهم الأرضية الصغيرة وعشائرهم بدلاً من البيت العظيم للأب. بدأوا يتحاربون بوحشية فيما بينهم من أجل البقاء، مسفكين الدماء، ومضاعفين الثأر، وناقلين العار من جيل إلى جيل.

وعندما مات المنفيون في البرية، فارقت أرواحهم أجسادهم، لكنها لم تستطع الاقتراب من الأب القدوس. كانت قد تنجست بالخطية، ولا يمكن لأي نجاسة أن تدخل في حضوره. ولكن لم يمكنهم أيضًا البقاء في البرية، لأن البرية هي عالم الأجساد الحية، وروح الإنسان خالدة. فوجدوا أنفسهم تحت سلطان العدو - في المكان الذي يسميه الناس شيوول، الهاوية، مملكة الموتى، الجحيم. لم يكن الله يرسلهم هناك بغضب. بل كانت النهاية الطبيعية للطريق الذي اختاروه بأنفسهم: إذ رفضوا ينبوع الحياة، وجدوا أنفسهم في الظلام حيث لا حماية من الأب ولا نور حضوره. هناك انتظروا الدين العظيم، حين يأتي الملك ليدين الأحياء والأموات. لكن قبل ذلك اليوم، كانوا أسرى العدو، لأنه خارج ظل الأب لا خلاص.

لقد اعتدنا أن نتحدث عن الموت بلطف: «إنه الآن في السماء»، «لقد أصبحت ملاكًا»، «هناك كل شيء بخير». ولكن إذا غادر الإنسان هذه الحياة منفياً، دون أن يعود إلى ظلِّ الآب العظيم، فإن القبر لا يصبح بابًا إلى الدار. قد يبكي الأقارب عند القبر، لكن لا أب، ولا أخ، ولا شيوخ العشيرة يستطيعون أن يحموا الإنسان من الموت ومن الدينونة الآتية. فالخطيئة ليست مجرد خطأ، بل هي خيانة للملك، ومن دون تطهير العار يبقى الإنسان تحت سلطان البرية، منتظرًا اليوم الذي سيمثل فيه أمام الملك الشرعي.

نما الشر في البرية بسرعة حتى تحطم قلب الأب. ضاعف الناس العنف، وامتلأت الأرض بالدم. فقال الأب العظيم: "قد جاءت نهاية كل بشر أمامي". أرسل الطوفان ليغسل النجاسة عن وجه الأرض. لكنه خلص رجلاً واحدًا بارًا - نوح - وعائلته. دخل ثمانية أشخاص السفينة ونجوا من الدين. هكذا أظهر الأب: حتى عندما يدين، فإنه يحتفظ ببقية الأمناء ليبدأ نسبًا جديدًا. من نوح انبثقت أجناس جميع الناس على الأرض.

لكن حتى بعد الطوفان، لم يتعلم الناس الوفاء. اجتمعوا في وادي شنعار وقالوا: "لنبني لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء، لنصنع لأنفسنا اسمًا، لئلا نتشتت على وجه الأرض". أرادوا أن يثبتوا كرامتهم بدون الأب، وأن يبنوا بيتهم الخاص بدلاً من البيت العظيم. فبلبل الله ألسنتهم، وتوقفوا عن فهم بعضهم البعض، وشتتهم في أراضٍ مختلفة. لكن الشر لم يقل، ولم تترك الشعوب والقبائل عداواتها، وفرح العدو برؤية الأخ يرفع السيف على أخيه. لكن في هذا التشتت كان يكمن وعد مستقبلي: سيجمع الأب يومًا المنفيين المتفرقين في شعب جديد واحد، حيث لا يكون هناك يوناني ولا يهودي، ولا بربري ولا سكيثي، ولا تركي ولا أذربيجاني، ولا عربي ولا كردي، ولا فارسي ولا بشتوني، ولا باكستاني ولا أفريقي، ولا أوروبي - بل يكون الكل واحدًا في المسيح، رسول الأب. سيمحو دم الملك الحدود، وسيجلس أولئك الذين قتلوا بعضهم البعض لقرون على مائدة واحدة كإخوة. لكن هذا الوعد كان كبذرة ألقيت في الأرض. كان عليها أن تنبت فقط عندما ينزل الوريث الحقيقي إلى البرية. أما الآن - فقرون من العداوة وسفك الدماء والحنين إلى البيت المفقود.

يهمس العدو لكل عشيرة بنفس الكذبة: "كرامتك في قوة يدك. أمنك في دم أعدائك." لكن هذا فخ. الدم يستدعي الدم، والثأر لا ينتهي أبدًا. البرية تنمو.

لكن لا نسب أرضي، ولا أقوى قبيلة أو عشيرة، استطاع أن يحميهم من الموت. الأسرة الأرضية قوية، لكنها عاجزة أمام القبر ودينونة الله الأبدية. في أعماق قلب كل منفي، بقيت حسرة على الاسم المفقود وخوف من اليوم الذي سيتعين فيه المثول أمام الملك الشرعي.

في الأزمنة القديمة، كان بين الأمناء للآب رجلٌ اسمه أيوب، ويعني اسمه «المضطهَد» و«المطرود». كان بارًّا، لكن العدو لم يحتمل هذه الكرامة، فطلب الإذن ليمتحنه. وفي يومٍ واحد فقد أيوب كل شيء: أولاده، وممتلكاته، وصحته، وأصدقاءه. لكنه لم يتخلَّ عن الآب، بل قال: «حتى لو قتلني، فسأظل أرجوه. أنا أعلم أن فاديَّ حيّ». أصبح أيوب أولَ ثمار الله، إنسانًا اكتسب من خلال الآلام مناعةً ضد الشر، وقداسةً لا يستطيع أي عدو أن يسلبها. وهكذا أظهر الآب أنه سيتمم عمله على الأرض، ويُعِدُّ شعبًا يثبت إلى النهاية. وكان أيوب نبوةً عن ذاك الذي سيُضطهَد أكثر من الجميع، والذي من خلال آلامه سيُفتدى العالم كله.


وفاء الملك: الميثاق الدموي والأنبياء
لكن الأب العظيم لم يتنكر لاسمه ولم يترك خلقه للعدو. كانت قداسته تتطلب دينونة عادلة للخيانة، لكن محبته كانت تبحث عن طريقة لإعادة المنفيين وتطهير عارهم.

بدأ بحثه القانوني في التاريخ، وأبرم عهدًا مقدسًا - عهد دم - مع إبراهيم البار. في وسط البرية، خصص الله لنفسه شعبًا خاصًا - إسرائيل. من خلال هذا الشعب، أعطى الملك القدوس شريعته، كاشفًا بوضوح ما هو طاهر ونبيل، وما ينجس الإنسان. أمر ببناء خيمته بينهم وإقامة نظام ذبائح: دم حيوانات طاهرة كان يغطي خطايا الشعب مؤقتًا، لكي يتمكنوا، مع تلوثهم بالعار، من الاقتراب من ظله.

لكن قبل أن يعطي الشريعة، أظهر الأب قوته الخلاصية. كان أبناؤه يعانون في العبودية لفرعون - الحامي الزائف الذي استولى على أبناء الغير. حينئذ ضرب الملك العظيم آلهة مصر، وفي الليلة الأخيرة أعطى علامة الخلاص - الفصح. كان على كل عائلة أن تذبح خروفًا طاهرًا وتدهن بدمه قوائم الأبواب. كان ملاك الموت يرى هذا الدم ويمر. كان هذا نموذجًا: بعد قرون، سيسفك الحمل الحقيقي دمه ليصبح درعًا أبديًا لكل من يغطي به أبواب قلبه.

وعندما حماهم دم الحمل، أخرج الأب العظيم شعبه من مصر بيد قوية وذراع ممدودة. شق لهم البحر الأحمر، فعبروا في يابسة، بينما انطبقت المياه على المطاردين. قادهم عبر البرية المخيفة بعمود سحاب نهارًا ليظلهم من الحر، وعمود نار ليلاً لينير لهم ويريهم الطريق.

على جبل سيناء، أبرم معهم عهدًا وأعطاهم ألواحه - شريعة الكرامة - ليعرفوا ما يرضي الأب وما ينجس اسمه. أطعمهم خبزًا من السماء وسقاهم ماءً من الصخر. وعندما جاء الوقت، أدخلهم الأرض الموعودة - أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا. غزواها لا بقوة أيديهم، ولا بعدد محاربيهم، بل بقوة الله، لأن الرب نفسه حارب عنهم.

من هذا الشعب وُلد قضاة عظماء، مثل شمشون—رجل تلقى قوة خارقة من الله لسحق أعداء إسرائيل. كان نذيرًا، مكرسًا للأب منذ الولادة، وكان روح الرب ينزل عليه، مما يجعله لا يُقهر. كان وحده، بقوة الله، يضرب فرقًا كاملة من الفلسطينيين ويجعل الشعب في خوف من قوة إسرائيل. لكن قلب شمشون خُدع بجمال امرأة أجنبية تدعى دليلة. اكتشفت سره: مصدر قوته لم يكن في عضلاته، بل في وفائه للعهد الذي كان مختومًا بشعره غير المقصوص. وعندما كسر وفاءه وسمح بقص شعره، ابتعد روح الرب عنه، وأصبح ضعيفًا مثل باقي الرجال. قبض عليه الفلسطينيون، واقتلعت عينيه وأجبروه على طحن الحبوب في السجن كعبد. ولكن في ساعة الموت، تاب شمشون، وأعاد الله إليه قوته: أسقط معبد الإله الكاذب داجون على آلاف الأعداء، وهلك هو أيضًا، لكنه حقق النصر الأخير على أعداء إسرائيل. أصبحت قصة شمشون تحذيرًا لجميع الشعب: بدون الوفاء للأب، حتى أعظم قوة تصبح ترابًا، ولكن حتى التوبة الأخيرة يمكن أن تعيد الشرف وتجلب النصر.

من هذا الشعب وُلد ملوك أقوياء — داود، سليمان — وأنبياء مقدسون، الذين حفظوا الإيمان مع الآب وسط الخيانات وأعلنوا إرادته. كانت كل هذه القصة إعدادًا: الشعب الذي قاده الله عبر الصحراء كان يجب أن يصبح رمزًا لخروج أعظم — خروج البشرية جمعاء من عبودية العدو إلى بيت الآب الأبدي عبر دم الحمل الحقيقي.

في داخل هذا الشعب، أقام الله عبر القرون أنبياء - رسله الأمناء. أعلن الأنبياء مشيئة الملك، ووبخوا خيانات الناس، ونقلوا وعد الأب العظيم: "سيأتي يوم، وينزل الملك نفسه إلى البرية. سيرسل مسيحه. سيقوم بكفالة دموية عنكم، ويسحق سلطان العدو، ويغسل عار الشعب، ويعيد الأولاد الضائعين إلى مائدته". عاش الناس بهذا الرجاء لقرون.

مرت الأجيال. تعاقبت الإمبراطوريات. مات بعض الأنبياء، ولم يأت آخرون. بدا أن السماء صمتت. لكن الوعد لم يُنس. استمر الشعب في انتظار المسيح - الذي سيأتي ويتم كل ما وعد به الأب. وكان كل هذا مجرد ظل لما هو آت. كان أيوب يشير إليه. كان حمل الفصح يشير إليه. كان الخروج من مصر يشير إليه. كانت الذبائح على المذبح تشير إليه. كانت الشريعة والأنبياء يشيرون إليه. كان القضاة الذين حكموا إسرائيل يشيرون إليه. كان داود والملوك الموعودون يشيرون إليه. جميع طرق الناس أدت إلى طريق مسدود. لا الشريعة استطاعت أن تعيد المنفيين إلى الديار. ولا ذبائح الحيوانات استطاعت أن تطهر ضمائرهم إلى الأبد. ولا الأنبياء استطاعوا أن يرفعوا عار الشعب. ولا الملوك استطاعوا أن يغلبوا الموت. كان هناك حاجة إلى الوريث نفسه. كان هناك حاجة إلى من يستطيع وحده أن يأخذ الإنسان بيده ويعيده إلى الأب. لذلك كان كل التاريخ ينتظره. وعندما جاء الوقت المحدد، تم الوعد...


الوريث الحقيقي ينزل إلى البرية
وعندما جاء الوقت المحدد، تم الوعد. أرسل الأب من كان قلبه وبريق مجده - وحيده، **الذي لا نظير له من الأبناء**، الملك الشرعي الحقيقي وأخونا الأكبر.

ترك عرش الكرامة، ونزل إلى البرية القذرة، وولد إنسانًا - يسوع، ذاك الذي تعرفه شعوب كثيرة باسم عيسى، لكن قصته الحقيقية رُويت بشكل ناقص. نشأ بين المنفيين، لكن لم يكن عليه مسّ من العار. حافظ على وفائه المطلق للأب. أظهر يسوع قوة المملكة الحقيقية: أمر العناصر، وشفى الأمراض الملعونة، وأقام الموتى، وبقوة طرد الشياطين، منتزعًا الناس من تحت سلطان العدو. أعلن علنًا: "قد آن الوقت. ملكوت الله عاد إلى البرية. غيّروا ولاءكم، توبوا عن خيانتكم، اتركوا العدو، وارجعوا تحت ظل الأب".

صعد الجبل وأعلن شريعة مملكته. تكلم ليس كعلماء الشريعة، بل كمن له سلطان. قال: "سمعتم أنه قيل للقدماء: عين بعين، وسن بسن. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. حينئذ تكونون أبناء أبيكم الحقيقيين". قلبت هذه الكلمات كل ما عرفه الناس عن الكرامة والثأر.

لكن زعماء العشائر الأرضية، المكفوفين بفخر بيوتهم الصغيرة، والعدو نفسه، أبغضوا سلطته الشرعية. قرروا قتل الوريث ليخلدوا البرية لأنفسهم إلى الأبد.


نبلة الوريث
ذات يوم، جاؤوا إليه بامرأة. أمسكوها متلبسة بفعل الزنا. وحسب الشريعة، كان يُرجم مثل هؤلاء. وضعها المتهمون في وسط الجمع، نصف عارية، مغطاة بالعار، وقالوا ليسوع: "يا معلم، الشريعة تأمر برجمها. فماذا تقول أنت؟" أرادوا أن يمسكوه بكلمة ليتهموه أمام الشيوخ. لكن يسوع لم يتعجل. كان يخط بصمت بإصبعه على الأرض. ثم رفع رأسه وقال: "من منكم لم يلطخ كرامته أمام الله - فليكن أول من يرميها بحجر". وعاد ليخفض رأسه. واحدًا تلو الآخر، بدءًا من الشيوخ إلى آخر متفرج، تفرق الجميع. بقي يسوع وتلك المرأة فقط. سألها: "أين هم المشتكون عليك؟ ألم يدنك أحد؟" رفعت عينيها - فلم تر حولها أحدًا. سواه. ارتعد صوتها، بالكاد نطقت: "لا أحد، يا سيدي... لا أحد". حينئذ قال كلمات لا تزال تتردد فوق كل واحد منا: "وأنا لا أدينك. اذهبي ولا تخطئي بعد". لم يبرر الخطية. لكنه غطى عارها بنبلته، لأنه كان يعلم: قريبًا سيدفع هو نفسه ثمن عارها.

كان في البرية أناس مصابون بالبرص - مرض مخيف يجعل الإنسان نجسًا. كانوا يُطردون من البيوت، ويعيشون منفردين، ويصرخون من بعيد: "نجس! نجس!" لئلا يقترب منهم أحد. ذات يوم، اقترب أبرص من يسوع. ارتد الجمع برعب. سقط على ركبتيه في التراب، من بعيد، لأنه لم يجرؤ على الاقتراب أكثر. وصرخ - بصوت أجش ويائس، كما يصرخ من لم يبق له سوى الرجاء: "يا سيدي! إن شئت، فأنت قادر أن تطهرني!". حينئذ فعل يسوع ما لا يُتصور. لم يتراجع. مد يده ولمس الجسد المتآكل. لمس من لم يمسه أحد منذ سنوات. وقال: "أنا أشاء. اطهر". فزال البرص في الحال. الملك الحقيقي لا يخاف من نجاستنا. طهارته أقوى من أي دنس.

في مدينة ما، كان يعيش رجل اسمه زكا. كان جابي ضرائب للمحتلين الرومان، ويربح على حساب شعبه. اعتبره أهله خائنًا للنسب ولصًا. لم يصافحه أحد، ولم يجلس معه أحد على مائدة. عندما مر يسوع بمدينته، أراد زكا بشدة أن يراه. لكنه كان قصير القامة، والجمع كان جدارًا كثيفًا. لم يكن أحد ليتنحى له. حينئذ، هذا الرجل الغني لكن المكروه بشدة، ركض إلى الأمام، ونسي كرامته، وتسلق شجرة تين كالصبي. وصل يسوع إلى الشجرة، رفع بصره ورآه. لم ير خائنًا - بل ابنًا ضالًا لإبراهيم. وقال للجمع كله: "يا زكا، انزل سريعًا. اليوم يجب أن أنزل في بيتك". تذمر الجمع: "ذهب إلى بيت خاطئ!". لكن يسوع دخل تحت سقفه. فتحطم شيء في قلب زكا. وقف زكا. انقطع صوته، وتكلم بصوت عالٍ، غير مبالٍ بما سيفكرون: "يا سيدي! نصف ما أملك - للفقراء! وإن كنت قد ظلمت أحدًا، أرد أربعة أضعاف! أقسم!". أجاب يسوع: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت، لأنه هو أيضًا ابن إبراهيم". هكذا أعاد الملك الكرامة لمن أعرض عنه الجميع.

ذات مرة، سأله رجل ناموسي: "من هو قريبي الذي يجب أن أعتبره كذلك؟" أجاب يسوع بمثل. كان رجل نازلاً من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين لصوص. عرّوه، وضربوه، وجرحوه، وتركوه يموت. مرّ كاهن في نفس الطريق - رجل من سبط لاوي، حارس الشريعة. رأى الجثة واجتاز من الجانب الآخر. مرّ لاوي، خادم الهيكل، - توقف، ونظر، ومضى أيضًا. أخيرًا، ظهر سامري. تشنج المستمعون. كان السامريون محتقرين، وكانوا يعتبرون نجسين وغرباء. لكن السامري، عندما رأى الجريح، تحنن عليه. غسل جراحه بزيت وخمر، وضمدها، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق، ودفع لصاحبه: "اعتني به، وإن أنفقت أكثر، فسأدفع لك عند عودتي". سأل يسوع رجل الناموس: "أي من الثلاثة كان قريبًا للجريح؟" لم يستطع أن ينطق بكلمة "سامري"، فقال: "الذي صنع معه رحمة". قال يسوع: "اذهب وافعل أنت كذلك". هكذا أعلن الملك أنه في مملكته، النسب لا يُحدد بالدم، بل بالرحمة.

ذات مرة، أسرع رجل إلى يسوع اسمه يائير، رئيس المجمع. كان الناس يتنحون له، لكنه الآن لم يهتم بمكانته. سقط عند قدمي يسوع وقال، وهو يلهث: "ابنتي... تحتضر... تعال، ضع يدك عليها، فتحيا!". ذهب يسوع معه. كان الجمع يزحمه من كل جانب. في الطريق، جاء خدم وقالوا للرئيس: "ابنتك ماتت. لا تتعب المعلم بلا فائدة". توقف يائير. انطفأ النور في عينيه. لكن يسوع، دون أن يكترث للرسل، قال له: "لا تخف. فقط آمن بي". عندما وصلوا إلى البيت، كان النواح قد بدأ. كانت النوائحات المستأجرات يولولن، والنساء يمزقن ثيابهن، وعازفو الناي يعزفون لحن الجنازة. كان الموت قد دخل تحت ذلك السقف. قال يسوع: "لماذا تبكون؟ الصبية لم تمت - بل هي نائمة". ضحكت النوائحات في وجهه: "نائمة؟ ألا تسمع - إنها ميتة!". حينئذ أخرج الجميع من البيت. أخذ الأب والأم وثلاثة من تلاميذه. دخل الغرفة حيث كانت الجثة الصغيرة هامدة على السرير. كان الصمت شديدًا لدرجة أنهم سمعوا الأم تكتم شهقاتها. اقترب، وأمسك يد الصبية - الباردة الجامدة - وقال: "طليثا قومي"، أي: "يا صبية، لك أقول - قومي". ففتحت الصبية عينيها. جلست على السرير. وقفت. مشت في الغرفة. كانت في الثانية عشرة من عمرها. قال يسوع: "أعطوها لتأكل"، وكأنها استيقظت من نوم عميق. لم يستطع الأبوان أن ينطقا بكلمة. كانا ينظران إلى ابنتهما ولا يصدقان أعينهما. وخرج يسوع من البيت، وعرفت البرية: حتى القبر لا يقوى أمام صوت الملك الحقيقي.

ذات يوم، رست سفينة يسوع على شاطئ أرض الجدريين. وما إن خرج إلى البر حتى خرج من الكهوف حيث يدفن الموتى رجل. لم يكن يرتدي ثيابًا، وكان جسده مغطى بالندوب - كان يضرب نفسه بالحجارة. حاول أقاربه تقييده بالسلاسل والأغلال، لكنه كان يمزقها كالخيوط. ليلاً ونهارًا، كان يصرخ في القبور والجبال. كان العدو يسكن داخله ويعذبه بلا توقف. فلما رأى يسوع، ركض نحوه. تمسك التلاميذ بالمجاديف وتراجعوا. أما المجنون فسقط على ركبتيه - لكنها لم تكن سجدة، بل عذاب. صرخ منه صوت ليس بشري: "ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي؟ أناشدك الله - لا تعذبني!". سأله يسوع بهدوء: "ما اسمك؟" فأجاب الصوت - كجوقة، وكأن كثيرين يتكلمون: "اسمي فيلق، لأننا كثيرون". كان قريبًا قطيع خنازير يرعى على الجبل. توسلت الأرواح النجسة: "لا تخرجنا من هذه الأرض - بل أرسلنا إلى الخنازير". قال يسوع كلمة واحدة: "امضوا". فخرجت. اندفع القطيع - نحو ألفي رأس - من على الجرف إلى البحر. ركض الرعاة إلى المدينة وأخبروا بما حدث. خرج السكان لينظروا. رأوا ذلك المجنون نفسه - جالسًا عند قدمي يسوع، لابسًا، وعاقلًا. الذي لم تستطع السلاسل أن تقيده، كانت المحبة الآن تمسكه. فخاف السكان وطلبوا من يسوع أن يغادر. كانوا يخافون من رؤية إنسان طليقًا أكثر من خوفهم من المجنون. لكن يسوع قال للمشفى: "اذهب إلى بيتك، إلى أهلك، وأخبرهم بما صنع الله بك". فذهب وأخذ يخبر في كل المدن العشر. هكذا أظهر الملك أن العدو لا سلطان له أمام كلمته.

وفي مرة أخرى، أمر التلاميذ أن يعبروا البحيرة، وبقي هو على الجبل ليصلي. هبت ريح شديدة ليلاً. كانت الأمواج تضرب السفينة، وحتى الصيادون المتمرسون الذين عرفوا البحيرة منذ الطفولة، أدركوا أنهم يغرقون. كانوا يجدفون بكل قوتهم، لكن الريح كانت معاكسة والماء يغمر الجوانب. وفي الهزيع الرابع من الليل، بين الثالثة والسادسة صباحًا، رأوا شبحًا يمشي على الأمواج. فصرخوا من الرعب: "شبح!". لكنهم سمعوا صوتًا مألوفًا: "أنا هو. لا تخافوا". أجاب بطرس، وهو لا يزال يرتجف: "يا سيدي! إن كنت أنت، فمرني أن آتي إليك على الماء". قال يسوع: "تعال". عبر بطرس جانب السفينة. خطا خطوة. ثانية. كان الماء يحمله. لكن هبت عاصفة جديدة، فأمال بصره عن المعلم، خاف، وبدأ يغرق. وصرخ - كما يصرخ صياد يغرق، مدركًا أن العمق لا يبالي بإيمانه: "يا سيدي! نجني!". مد يسوع يده، وأمسكه، وقال: "قليل الإيمان، لماذا شككت؟" ودخلا السفينة. وفي تلك اللحظة سكنت الريح. استلقى الموج كالكلاب عند قدمي سيده. سقط التلاميذ على ركبهم في السفينة، ينظرون إلى بعضهم، لا يصدقون ما رأوه. قالوا: "حقًا أنت ابن الله". هكذا أظهر الملك أن البرية نفسها تخضع له - الريح والبحر، الفوضى والهاوية.

ذات مرة، صعد يسوع جبلًا عاليًا مع ثلاثة من أقرب تلاميذه. وهناك، أثناء الصلاة، تغير منظره: أشرق وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وظهر موسى وإيليا - الشريعة والأنبياء أنفسهم - وتحدثا معه عن خروجه إلى أورشليم. كان تاريخ البرية كله يشهد: هذا الإنسان هو الملك. وانطلق صوت من السحابة: "هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا!". سقط التلاميذ على وجوههم خائفين، لكن يسوع لمسهم وقال: "قوموا، لا تخافوا". لم ينسوا تلك اللحظة أبدًا، لأنهم رأوا: ملكهم ينزل طواعية من جبل المجد إلى وادي الموت ليفدي شعبه.

وهو نفسه روى قصة الابن الضال التي دخلت قلوب الملايين. عن شاب طلب نصيبه من الميراث، وأهان أباه، وذهب إلى بلد بعيد، حيث بدد كل شيء حتى آخر فلس. وكيف عاد في خِرَق، منتظرًا العقاب، بينما ركض الأب لمقابلته وقبّله. أراد يسوع أن نعرف: هكذا هو أبونا. محبته تركض أسرع من خوفنا.

ذات يوم، دخل هيكل أورشليم - بيت أبيه. لكن بدلاً من الصلاة، رأى سوقًا حيث كان الكهنة يربحون من الفقراء. دفاعًا عن كرامة الأب، صنع سوطًا من حبال وطرد التجار، مقلبًا موائدهم: "بيتي بيت صلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!". جاء إليه العميان والعرج في ساحته، فشفاهم. هكذا أظهر الملك: إنه لا يتسامح مع تحويل مكان لقاء الله بالإنسان إلى أداة للربح.

كان ليسوع صديق حميم اسمه لعازر. كان يعيش في قرية بيت عنيا مع أختيه مرثا ومريم. ذات يوم، مرض لعازر مرضًا شديدًا. أرسلت الأختان إلى يسوع رسولاً: "يا سيدي! إن الذي تحبه مريض". لكن يسوع لم يسرع. مضى يوم. ثم يوم آخر. وعندما جاء أخيرًا إلى بيت عنيا، كان لعازر قد قضى أربعة أيام في القبر. خرجت مرثا لمقابلته. كانت عيناها حمراء من البكاء. "يا سيدي! لو كنت هنا، لم يمت أخي..." كانت مريم تبكي. كان الأصدقاء يبكون. كانت القرية كلها تبكي. فحينئذ حدث شيء مدهش. رأى يسوع حزنهم - فبكى هو أيضًا. الذي خلق الإنسان، وقف أمام قبر صديقه وبكى على ذلك الخراب الذي جلبه الموت إلى عالم الآب. ثم اقترب من القبر. كان مغارة مغلقة بحجر ثقيل. قال: "ارفعوا الحجر". خافت مرثا: "يا سيدي... اليوم الرابع. الجسد قد تحلل..." لكن يسوع أمر برفع الحجر. وساد الصمت. حينئذ رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت عالٍ: "لعازر! اخرج!". ومن ظلمة القبر خرج رجل. الذي بكاه الأموات قبل أربعة أيام. الذي كان جسده موضوعًا بين الأموات. خرج لعازر حيًا. تراجع الجمع مذعورًا من الرعب والدهشة. بعضهم بكى. وآخرون سقطوا على ركبهم. لأن البرية رأت ما لم تره من قبل: كان صوت الوريث الحقيقي أقوى من الموت نفسه. فحينئذ فهم كثيرون: أمامهم ليس مجرد نبي. ولا مجرد معلم. ولا مجرد صانع معجزات. بل كان أمامهم سيد الحياة والموت.

في الليلة الأخيرة قبل اعتقاله، جمع تلاميذه. أخذ منشفة وطست ماء وبدأ يغسل أرجلهم - عمل كان يقوم به في البيت أخس الخدام. فلما وصل إلى بطرس، انسحب بطرس بقدميه وكاد يصرخ: "يا سيدي! أنت - لي؟! أرجل؟! أبدًا! أتسمع - أبدًا!". لكن يسوع أجاب: "إن لم أغسلك، فلن تكون جزءًا من نسبي". أراهم أن العظمة في مملكته هي الخدمة، ورئيس النسب هو من يخدم الجميع. حينئذ صرخ بطرس، الذي لم يفعل شيئًا بنصف قلب: "حينئذ، ليس الرجلين فقط - بل الرأس واليدين! كلي!".


الصليب: الكفالة والنصر
في الليلة الأخيرة، جاء إلى بستان جثماني. وهو يعلم أنه سيشرب كأس عار البشرية، سقط على وجهه وصلى في عذاب حتى صار عرقه كقطرات دم. طلب سندًا من أقرب تلاميذه، فوجدهم نائمين. في ساعة الحاجة العظمى كانوا نائمين. وحينئذ، خرج من الظلام الخائن - يهوذا، أحد الاثني عشر. الذي أكل معه الخبز وغسل قدميه. اقترب يهوذا وقبّله - علامة الأخوة المقدسة التي حولها إلى سلاح قتل. "يا صديق، لماذا جئت؟" - سأل الملك بهدوء. سمح لتقييد نفسه، لأنه علم: فقط هكذا يمكن فداء عار كل الخيانات - يهوذا، بطرس، وخياناتنا نحن.

على التل خارج أسوار أورشليم، صُلب الملك الحقيقي على صليب خشبي. ابتهج العدو ظانًا أنه انتصر. لكنها كانت دينونة الله العظيمة نفسها.

وحتى عندما كانوا يسمّرونه بالمسامير على الخشب، لم يلعن جلاديه. قال: "أيها الآب، اغفر لهم - لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". هذه الكرامة أظهرها أخونا الأكبر: وهو يموت على أيدي الأعداء، كان يطلب الغفران لهم.

هناك، على الصليب، تقدم يسوع طواعية ليكون كفيلنا... وقف مكان المتمرد الملعون الذي خان نسبه. لم تكن ضعف عبد يطلب الرحمة. كان ثمن غبائنا: نحن أنفسنا، كنا ورثة نبيلين، بددنا كرامتنا.

الآن، لاستعادة مركزنا، كان هناك حاجة إلى وسيط ذي اسم لا تشوبه شائبة. كل العار، وكل دنس الخيانة، وكل دين البشرية اليائس، انهار على كتفيه. إذ كان بلا خطية، حمل على نفسه ضربة غضب العدو وسخط الله العادل الذي كان مخصصًا لنا. سفك دمه الملكي الطاهر. هذا الدم غسل عار خيانتنا مرة واحدة وإلى الأبد، وألغى ديننا أمام العدل، وافتدانا من عبودية العدو.

بجانبه صُلِبَ اثنان من المجرمين. أحد المصلوبين، وهو يلهث بفم جاف، قال له من بين أسنانه: "أنت الملك، أليس كذلك؟ إذًا أنقذ نفسك! وأنقذنا نحن أيضًا!" لم يكن يطلب - بل كان يسخر. حتى من على الصليب. الآخر أدار رأسه إلى يسوع وقال: "اتق الله. نحن محكومون بعدل لأعمالنا، لكنه لم يفعل شيئًا خاطئًا." ثم نظر في عيني الملك - آخر من يمكنه سماعه. لم يكن خلفه شيء: لا أعمال صالحة، لا وقت للتصحيح، ولا حتى قطعة نقدية لدفع ثمن حياته. فقط الثقة. أدار رأسه بصعوبة - كل حركة كانت تتردد بألم في يديه المثبتتين بالمسامير. وزفر، ولم يقل: "يسوع... اذكرني... عندما تعود إلى مملكتك...". كانت الكلمات تتشابك من الألم. وسمع الجواب: "الحق أقول لك: اليوم ستكون معي في البيت." دخل هذا اللص بيت الأب قبل جميع شيوخ أورشليم المحترمين - ليس بالأعمال، بل بالثقة في الضامن.

لكن الموت لم يستطع أن يمسك بمن لا خطية فيه! في اليوم الثالث، قام يسوع من الأموات في جسد حقيقي جديد غير قابل للفناء. بقيامته، سحق العدو، وانتزع منه مفاتيح سجن الموت، وشق طريقًا للعودة إلى البيت العظيم. أثبت أنه الفاتح الوحيد وسيد الكون.

حقًا، لم يكن ولن يكون فاتح مثله. خرج لمحاربة أخطر عدو لكل الأحياء - الموت - وأسقطه. الآن هو ليس سيدًا، بل أسير مهزوم عند قدمي الملك الحقيقي.

أثبت أنه هو الفاتح الوحيد وسيد الكون. لذلك لا طريق آخر للرجوع. لم يغلب أي نبي الموت. لم يدفع أي قديس ثمن خطية العالم. لم يستطع أي ملاك أن يصلح بين الإنسان والآب. ولا أي نسب أرضي قادر أن يقود الإنسان خلال دينونة الله. فقط يسوع. فقط هو نزل من بيت الآب. فقط هو عاش حياة بلا خيانة. فقط هو حمل عارنا. فقط هو مات لأجلنا. فقط هو قام. وفقط هو يستطيع أن يأخذ المنفي بيده ويعيده إلى بيته.


أحضان الآب، شهادة الجماعة، وروح القوة
الآن، أعلن الملك القائم عفوًا في كل البرية. دعوة الإنجيل هي دعوة للاستسلام، والثقة العميقة، وتغيير الولاء. يجب على الإنسان أن يثق بكل قلبه بالمسيح الممسوح ليملك ككفيله، وأن يركع أمامه، ويتخلى عن ولائه للعدو، ويعود إلى الآب.

وهنا تظهر بشارة مذهلة تحطم كل قوانين الكبرياء البشرية الجامدة: عندما يعود الابن الضال، الوسخ المغطى بالعار، لا ينتظره الآب على العرش بسفر القضاء. يرى الآب من بعيد، ولا يحفظ كرامته الظاهرة أمام الناس، بل يركض ليلاقي ابنه، ليغطي عاره بمحبته.

يلقي بنفسه على عنقه ويقبّله. يبكي الابن: "لقد خنت اسمك، أنا لا أستحق أن أدعى ابنك، اقبلني ولو كأجير". لكن الآب لا يبحث عن خدم، بل يسترد ابنه! ويفعل هذا علنًا، أمام جماعة البيت العظيم كلها. لم يدع الآب يكمل كلامه. التفت إلى الخدم وأمر - بسرعة، بفرح، مقاطعًا نفسه: "بسرعة! أحضروا أفضل ثوب - له! وخاتمًا - ليده! ونعالاً - لقدميه! هذا ابني كان ميتًا - فعاش، كان ضالاً - فوجد!". يستعيد الابن حقه في الجلوس على مائدة الآب كأحد أبنائه. وهذا ينطبق أيضًا على كل ابنة ضالة. تعود ليس كخادمة، بل كوريثة، كرامتها محمية إلى الأبد باسم الآب.

أربعين يومًا بعد القيامة، ظهر يسوع للتلاميذ يعلمهم عن الملكوت. ولما اجتمعوا على جبل الزيتون، رفع يديه بالبركة وبدأ يصعد إلى السماء. أخفاه سحاب عن أعينهم. كان يعود إلى البيت العظيم ليجلس عن يمين الآب. قال ملاكان للتلاميذ المندهشين: "سيأتي هكذا كما رأيتموه يصعد". لم يكن وداعًا. كان تمليكًا. الآن ملكهم يحكم الكون وينتظر حتى يوضع كل الأعداء تحت قدميه. وفي هذه الأثناء - يرسل الروح القدس ليجمع شعبه من كل زوايا البرية.

واليوم هذا النداء موجه لكل إنسان.
ولكن الطريق إلى البيت يبدأ بالتوبة. التوبة ليست مجرد ندم على الأخطاء. إنها الاعتراف بالخيانة للملك، والتخلي عن الولاء للعدو، والعودة تحت حماية الأب العظيم. لا يمكن لأحد أن يطهر نفسه. ولكن كل من يأتي إلى الأب بقلب صادق، لا يرفضه. ولكن التوبة وحدها ليست كافية. لكي يعيش الابن العائد في البيت المقدس، يقوم الأب بمعجزة الولادة الجديدة. عندما يثق الإنسان بالملك يسوع، يحيي الله روحه الميتة بروحه القدوس. يصبح خلقًا جديدًا، ابنًا شرعيًا للأب ووريثًا لمملكته.

بعد أن يولد الإنسان من جديد، يرغب الملك الصاعد يسوع في تعميده بالروح القدس، ملبسًا إياه بقوة من العلاء للشهادة. يمنح الروح القدس الصلاة بألسنة أخرى كعلامة أولية لهذه العطية ويوزع المواهب الروحية حسب مشيئته لبناء شعب الله ومواصلة عمل المملكة. بقوته، يعلن المؤمنون بشجاعة البشارة، ويقفون ضد العدو ويخدمون ملكهم بأمانة.

هذا ما كُشف للعالم أجمع لأول مرة في يوم الخمسين. بعد صعود يسوع، نزل الروح القدس من السماء كألسنة من نار، وبدأ التلاميذ يتحدثون بلغات الأمم المختلفة. كان هذا معجزة بابل المعكوسة. هناك، في وادي شنعار، خلط الله الألسنة وشتت الناس إلى عشائر متحاربة. أما هنا، فقد بدأ الروح القدس يجمعهم مرة أخرى في شعب جديد واحد. في هذا النسل لم يعد هناك يوناني ولا يهودي، ولا عشائر ولا قبائل متحاربة. دم الملك غسل الحدود القديمة، ووحد الروح القدس أولئك الذين فرقهم اللغة والدم والعداوة لقرون. وفي ذلك اليوم، انضم حوالي ثلاثة آلاف شخص إلى عائلة الآب.

وكعلامة على هذا العهد الجديد، يتلقى الإنسان معمودية الماء. أمام الشهود، يمر عبر الماء معلناً: "لقد مت للحياة القديمة في البرية وقمت للحياة الجديدة في بيت الأب." هذه هي ختم ولائه للملك، الذي تعترف به جماعة المؤمنين بأكملها.

لكن هذه الدعوة تُقسِّم الناس. فعفوُ الملك مفتوحٌ للجميع، لكنه لا يخلِّص إلا الذين يثقون شخصيًا بالمسيح، ممسوح الله، والوارث الشرعي للمملكة، ويحنون الركبة أمامه، ويتخلَّون عن ولائهم للعدو، ويقبلون روح الله القدوس.

في العالم الأرضي، يبحث الإنسان دائمًا عن حامٍ قوي يشفع له. لكن عندما يأتي يوم دينونة الله العظيمة، لا الأب ولا الأخ ولا شيوخ عشيرتك يستطيعون أن يكفلوك. كل واحد سيجيب عن خيانته. في ذلك اليوم، فقط الوريث الشرعي ابن الملك سيكون قادرًا على التقدم، والوقوف بجانبك، والقول للآب: "هذا الإنسان لي. أنا كفيله. دفعت دينه بدمي، وهو تحت حمايتي".

أولئك الذين، بسبب كبرياء نسبهم الأرضي، يرفضون الثقة بالمسيح الممسوح للملكوت، يختارون البقاء في البرية بلا كفيل، وعاقبتهم الدينونة العادلة.

أما جميع الذين قبلوا الملك، فيجتمعون معًا - هذا هو شعبه الجديد وعائلة الله الحقيقية (جماعة المؤمنين). لا مكان هنا للثأر الدموي، والانقسامات، والعداوة بين العشائر الأرضية. جماعة المؤمنين كلها هي شاهد على استعادة بعضهم البعض، لأن جميع العائدين لهم ملك واحد، وروح قدس واحد، واسم أب عظيم واحد.

لكن اعلموا: عندما تصيرون سفراء للملك، سيعلن العدو الحرب عليكم. قد تعرض عنكم عشيرتكم، وتصفكم بالجنون وتطردكم. سيسحبونكم إلى المحاكم، مطالبين إياكم بالاختيار بين النسب الأرضي والآب السماوي. "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد. إن كان العالم قد أبغضني، فسيبغضكم أنتم أيضًا"، قال الملك. - "لكن تشجعوا: أنا قد غلبت العالم". وكل قطرة دم تسفك لأجل الوفاء تصير بذرة مجد أبدي.

حتى إن أعرض عنك قومك، فلا تُعرض عنهم. لا تتبرأ من أقربائك بحسب الجسد، ولا تصبح عدوًا لهم. بل على العكس، فمنذ الآن أنت سفير الملك في بيتك. لذلك قابل الكراهية بالسلام، واللعنة بالبركة، والاضطهاد بالوفاء. ولعلَّ الآب العظيم سيبدأ من خلالك بحثه الشرعي في عشيرتك.

لكن العدو لم يوقف حربه. على مر القرون، حاول أن يجعل الناس ينسون هذه القصة. أقنعهم باعتبارها حكاية، شبيهة بأساطير شعوب العالم. استبدل الحقيقة بالكذب. قدم أصنامًا جديدة، منقذين جددًا وطرقًا جديدة. سخر من الوارث. اضطهد أتباعه. حاول محو ذكرى بيت الأب. لكنه لم يحقق شيئًا. اختفت الإمبراطوريات. انهارت الأيديولوجيات. جاء الملوك وذهبوا. لكن البشارة استمرت في الصدى. وصوت الوارث حتى اليوم يدعو المنفيين إلى الوطن.

اليوم هذا النداء موجه إليك. إن كنت تسمع هذه الكلمات وتشعر كيف أن الحنين إلى البيت المفقود يضغط على قلبك، فاعلم: الآب ينظر بالفعل في اتجاهك. الملك يسوع حي. يده ممدودة. لا تولِ ظهرك.


الاستعادة النهائية للكون
هذه القصة لا تنتهي بمجرد اختبائنا داخل أسوار البيت. ملكنا هو الفاتح، وهدفه عظيم: لقد وعد بشفاء وتجديد كل ما دمر.

سيأتي يوم، وسيعود الملك يسوع إلى الأرض بقوة عظيمة ومجد أمام أعين الكون كلها. سيمحو البرية نهائيًا، ويلقي بالعدو في السجن. سيصنع خليقة جديدة: يقيم أجساد أولاده الأمناء في خلود، ويجدد الأرض نفسها.

وفي ذلك اليوم، سيقيد الحية القديمة - الشيطان - وجميع ملائكته الأشرار، ويطرحهم في السجن إلى الأبد، لئلا يضلوا الأمم بعد اليوم، ولا يختطفوا أبناء الآب.

الأراضي التي أحرقتها الحروب ستزهر من جديد. الأمم التي فرقتها الإبادة الجماعية، والترحيل، والعداوات العشائرية الممتدة لقرون، ستلقي السلاح إلى الأبد.

لن يكون هناك غرباء بعد اليوم - سيجتمع كل الأمناء كشعب عظيم واحد، ويجلسون على مائدة واحدة في سلام مطلق. لن يكون هناك هناك نفى، ولا عار، ولا ظلم، ولا دموع، ولا موت.

لكن هذه الاستعادة ليست مجرد استعادة للسلام. في مركز تلك المائدة - ليس مجرد وليمة، بل عرس. لأنه في ذلك اليوم، سيمثل الملك يسوع أمام شعبه ليس فقط كحاكم، بل كعريس. لقرون، كان يبحث عن عروس في البرية، مغطاة بالعار، ليغسلها بنفسه بدمه ويكسوها بثياب كرامته. وستأتي ساعة تخرج فيها العروس - جماعة المؤمنين من كل القبائل والألسنة والشعوب - لملاقاته. المائدة موضوعة. يأخذ العريس يد العروس، ويصبحان واحدًا. إلى الأبد. لا خيانة، ولا غدر، ولا خسارة. لأن عرس الحمل هو القمة العليا لاستعادة كل شيء: حين يتحد الكون بخالقه عبر المحبة.

ومعجزة أخرى سيصنعها ملكنا في ذلك اليوم. لا نعرف كيف سيدين بالضبط أولئك الذين رحلوا من البرية دون أن يسمعوا باسمه. لكننا نعرف قلبه: هو الذي يترك تسعة وتسعين خروفًا ليجد واحدًا. عدله لن يقل عن رحمته. كل ما سرقه العدو بالخداع والجهل، سيفصل فيه الملك بحكمة كاملة. يمكننا أن نأتمنه على أسلافنا، لأنه قاضٍ صالح وعادل.

الأب القدوس العظيم نفسه سيسكن مع أولاده. سيمسح كل دمعة من عيونهم، ولن يكون موت فيما بعد، ولا حزن، ولا صراخ، ولا وجع، لأن الأمور الأولى قد مضت. سننال بيتنا الأبدي غير القابل للدمار، حيث سنفرح إلى الأبد تحت حكم ملكنا المجيد البار الآمن الكريم. وفي ذلك البيت، لن نكون مجرد رعايا - بل سنكون أعضاء في عائلته، عروسه، أولاده الأحباء، الجالسين على مائدة واحدة مع الآب والابن والروح القدس إلى أبد الآبدين.

اليوم، باب البيت لا يزال مفتوحًا. صوت الوريث لا يزال يدعو المنفيين إلى الديار. يده لا تزال ممدودة إلى الضالين في الظلام. لا تولِ ظهرك لها. اعترف بالحقيقة عن نفسك. نحن لم نخطئ فقط. بل تمرّدنا على الملك. سلكنا في طرقنا الخاصة، فوجدنا أنفسنا بعيدًا عن بيت الآب. لكن من أجل هذا جاء يسوع. حمل عارنا. غلب الخطية. غلب الموت. فتح الطريق إلى الديار. تب أمام الله. آمن بيسوع المسيح. اخرج من تحت سلطان الظلام، وادخل تحت ظل الملك. وحينئذ، يصبح بيت الآب بيتك، وشعبه شعبك. ما دام صوته لا يزال يُسمع، لا تقسّ قلبك. هذا ليس عن دين. هذا عن العودة إلى الديار. الآب يبحث عن أولاده الضالين. جاء يسوع ليجدهم ويعيدهم. البيت لا يزال ينتظر. الآب لا يزال ينتظر. هل ستعود إلى الديار؟

